Wednesday, 2 April 2008

التجربة القطرية 2

الحلقة 2

في الطريق من المطار إلى الفندق ...

قطعت السيارة الطريق في هدوء غير معهود، وهي تنتقل بنا من شارع إلى آخر في سلاسة ويسر دون زحام وصخب، دون أن ترى سائقا يسب آخر، دون أن ترى أناسا يمرون مسرعين بين السيارات، كانت الطرق نظيفة وإشارات المرور كثيرة ومنظمة وتعمل ذاتيا وقائدي السيارات يحترمون الإشارات المغلقة (على الرغم من عدم وجود عسكري مرور) ولا يمرون منها (قبل أن تفتح) أبدا حتى وإن كان الطريق المعاكس خاليا تماما، الجميع منتظم الجميع ملتزم.


لاحظت وأنا أجلس بجوار رائد أن سائقي السيارات تنتابهم حالة هدوء نفسي غريبة لم أعهدها من قبل، بدا لي ذلك واضحا في لحظات الانتظار في إشارات المرور، وقتها ترى أن المسافات بين السيارات كبيرة تكاد تصل لطول سيارة أو أكثر ما يساوي تقريبا 4 أمتار .. J لم يكن الحال هكذا في مصر العزيزة، السيارات في مصر كأنها في سيرك الواحدة منهن تقفز فوق الأخرى .. أيضا، بدا لي هذا الهدوء في منظر رائد وهو يقود السيارة، رأيته يقود بقدم واحدة حافية والثانية رفعها فوق الكرسي ويتكأ بها على تبلوه السيارة كأنما يجلس فوق مسطبة، ساعده في ذلك نظام السيارة الأوتوماتك .. فالسيارات هنا معظمها أوتوماتك بما فيهم سيارة رائد.


صراحة أنا في عمري الذي عشته في بلدنا الحبيبة مصر لم أرى المرور بهذا التنظيم والالتزام والاحترام، حيث تصل درجة الاحترام هنا بين سائقي السيارات حدود لا نهائية مقارنة بمصرنا العزيزة، فتراهم مثلا لا يتشاجرون إذا وقعت حادثة ولو كانت آثارها وخيمة، وتراهم وقت الحوادث يقفون في أماكنهم دون حراك حتى تأتي دوريات المرور المنتشرة في كل مكان: فيتحرر المحضر ويأخذ كل واحد حقه من الآخر بشكل قانوني بقدر الإمكان، وتراهم لا يتسابقون على أماكن ركن السيارات وإن قلت، هنا J .. أتذكر موقف مر بي في مصر من مواقف عدة كثيرة لا تحصى، يوما ما ذهبت لشراء حاجاتي من التوحيد والنور فرع مكرم عبيد وكانت معي وقتها سيارة هونداي أكسنت وقد بدا لي مكان لركن السيارة فارغ ولم يكن لي منافس عليه فانتظرت خروج السيارة منه حتى خرجت وبدأت أحرك سيارتي لدخول المكان وإذا بسيارة 128 تظهر فجأة لتقتحم المكان كما لو كانت تقتحم ميدان للحرب وتدخل فيه بمنتهى الإقدام والشجاعة وكأن سائقها لم يجد أمامه إلا أحد الخيارين أم النصر أو الشهادة، ونزل السائق ضخم الجثة بعد انتصاره في المعركة وقد بدا عليه الصرامة والحزم، وحينما لمته على فعله رد علي بمنتهى البجاحة ((أنا مش هاركن في مكان تاني، عجبك على كده عجبك مش عاجبك شوفلك انت بأه مكان تاني تركن فيه))، بصراحة وبمنتهى الصدق .. بحثت وقتها في قاموسي على ردة فعل مناسب فلم أجد إلا (والذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).


في الطريق لاحظت أن شوارع المدينة بها دوارات كثيرة والدوار هو الصينية بالمصري، والدوار هنا هو مبدأ مروري له قوانينه وقواعده المرورية الخاصة، وعرفت بعد ذلك أنها فلسفة فكرية مرورية الهدف منها إيجاد مفاصل حركية مرنة على طول الطريق للحفاظ على أعلى معدلات لجريان وسريان وانسياب للسيارات المارة في الشوارع.



مرت خمس عشر دقيقة تقريبا إلى أن وصلنا الفندق (فندق رتاج)، حيث بدا لي من الوهلة الأولى أن الفندق يقع في الصحراء بعيدا عن العمران، نزل رائد من السيارة وأحضر أحد عمال الفندق، كان العامل يرتدي زيا رسميا أنيقا كما هو الحال مع باقي عمال الفندق، أردت أن أساعد العامل في إنزال الحقائب فأشار لي رائد بأن أترك العامل يؤدي عمله، بالفعل قام العامل بإنزال الحقائب ووضعها على سيارة يدوية خاصة بالفندق ودفعها إلى صالة الاستقبال، كانت صالة الاستقبال منظمة ومرتبة وقد انتشر بها الرخام بألوانه الجميلة. باب الفندق زجاجي يفتح ذاتيا عن طريق حساس إلكتروني، وهذا J ما جعل حمزة وخالد يلعبان به في كل مرة نخرج فيها أو ندخل.




طلب مني عامل الاستقبال جواز السفر الخاص بي وبزوجتي، حيث أنهى إجراءات الدخول (Check-in) وأعطاني مفاتيح الشقة، كانت شقة أنيقة ومنظمة ومرتبة شأنها شأن باقي شقق الفندق الموجودة في أدواره الثلاثة والتي رصها مهندس البناء في صفين متوازيين على طول الفندق الموازي للشارع. ودعني رائد بعد أن اتفقت معه على أن يصطحبني في اليوم التالي لصلاة الجمعة وقد عرفت أنه يقيم في مدينة خليفة الجنوبية بالقرب من مسجد عمر بن الخطاب الذي يخطب فيه الدكتور يوسف القرضاوي.


تميزت الشقة الصغيرة بطرازها الأمريكي وبمطبخها الذي يطل على الصالة، وغرفة النوم الأساسية بحمامها المنفصل والتي تطل على حمام سباحة صغير، وقد توفرت بها معظم السلع المعمرة المطلوبة كالثلاجة والميكروويف والغلاية والسخان الكهربي، كما يأتيها عمال النظافة يوميا لتنظيفها، ويضعوا لنا الجرائد يوميا أسفل الباب. وكعادة الفنادق المحترمة قدم لنا عمال الفندق طبق فاكهة احتفاءا بقدومنا، وأخبرونا بأن الميزانية المرصودة للسكن في هذه الشقة تحتوي جميع الوجبات مجانا، فطلبت منهم طبقين من الكبسة كوجبة عشاء.



لا أخفيكم سرا فأنا لم أعتد مثل هذه الرفاهية والحفاوة في مصرنا الحبيبة، وللعلم فهذه الرفاهية شيء نسبي فآخرون غيري يرون فيها نواقص كثيرة، ولكني حمدت الله على نعمه الظاهرة والباطنة، ودار في خلدي لوهلة قول الله عز وجل "إن مع العسر يسر إن مع العسر يسرا"، وقلت في نفسي ذاك هو اليسر فمتى العسر وكيف سيكون الاختبار القادم، الله أعلم، كنت وقتها أشعر بأن شيئا سيحدث ولكن متى وكيف وأين .. لم أكن لأعرف وقتها .. ولكني عرفته ورأيته وعشته فيما بعد ..



وللحديث بقية فكونوا معنا ... فاصل ونواصل J

2 comments:

Abuanas said...

والله عيشتني في الجو كأني معك يا أبا حمزة..
بس فين ياعم بقية كلامك أنا منتظر رأيك في التجربة القطرية بتاعة قطر مش بتاعتك.
يعني بناء على رؤيتك وحياتك في قطر : لماذا هذه الطفرة الكبيرة في قطر؟
أنا من بعيد كده باقول إن الحرية هي السبب. وكمان رغبة الحكومة القطرية في صنع تاريخ لهذا البلد بأي وسيلة ولو بشاء لاعبين يعطوهم الجنسية القطرية مثلا.
أنت ايه رؤيتك؟
أبو أنس المصري

Wael AlGhool said...

حبيبي أبو أنس

بصراحة ، قررت تأخير سلسلة "التجربة القطرية" حتى لا تخرج مني آراء استباقية غير مبنية على حقائق بقدر ما هي ردود أفعال، خاصة وأن هناك أزمة بين العلم الوافد والمال المحلي وبين الخبرة الوافدة والإدارة المحلية في قطر.
وبصراحة أنا لا أرى في الأمر طفرة، كل ما هنالك أن قطر هي أغنى دولة في المنطقة، كما أنها أكبر دولة عالمية في تصدير الغاز المسال، ما أدى إلى ارتفاع دخل الفرد القطري ارتفاع مهول، وعليه فارتفاع دخل الفرد القطري له ميزاته كما له عيوبه.
ونتيجة لأن غنى الدولة غير مبني على أساس قوي بمعنى أنه مبني على سلعة وحيدة وهي البترول فإن الدولة في رأي ليست من دول العالم المتقدم ولا حتى من دول العالم الحر المتحرر، فمازال المرض والعرض العربي مخيم على الأجواء ، فأنت حر ما لم تمس صفو الصفوة ، ولربما تأتي حرية رأيك (صوابا كانت أم خطأ) في نسق موازي فتكون من السعداء أو في نسق معاكس فتكون من التعساء، ولرب ضارة نافعة.
ما تفعله قطر الآن هو استيراد الأفكار والعقول في جميع المجالات دينية ودنيوية (وهذا في حد ذاته خير للجميع) ، مع محاولة الزج بأبناء الوطن القطري في معترك العمل بشكل لا يخلو من ظلم العقول والخبرات المستوردة ما يعرف حاليا بالتقطير ، فترى المواطن القطري يدخل مجال العمل من نهاية السلم الوظيفي متخطيا كل الخبرات الوافدة ، ولا أخفيك سرا أن ضعف الخبرة-العملية للعقل الإداري القطري في مجالات الصناعة والإنتاج أدى لوجود أزمة حقيقية بين الوافد الخبير والمواطن المدير ، فلربما ترى العجب العجاب من الأفكار والحلول الغير منطقية. ووقتها لا تتعجب إذا أن ترى الخريج القطري الحديث يترقب إدارة عمالقة الفكر في مؤسسته لا لشيء إلا لأنهم وافدين.